فخر الدين الرازي
83
المطالب العالية من العلم الإلهي
ثم نقول : لم لا يجوز أن يقال : إن الناس يشاهدون ذلك الملك في صورة البشر « 1 » ؟ ويكون الفرق بينه وبين سائر البشر : أن لا يحتاج إلى الأكل والشرب والملبوس والمنكوح ، وهذا القدر من التفاوت لا يوجب الخوف الشديد ، ويحصل الامتياز بينه وبين سائر الناس . وأما قوله ثانيا الملائكة لهم قهر شديد فهم لا يسامحون البشر . قلنا : الملائكة لا يعصون اللّه فيما يأمرهم ، فإذا أمرهم بالرفق لم يفعلوا شيئا من التشديد . وأما قوله ثالثا : الجنس إلى الجنس أميل . فنقول : حصول الميل في القلب ، ليس إلا من اللّه تعالى ، كما قال تعالى : « وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ « 2 » » فيثبت بما ذكرنا : أن إرسال الرسول من زمرة الملائكة ، أفضى إلى المقصود . ونقول : لو كانت الرسالة جائزة ، لوجب أن يكون ذلك الرسول من الملائكة [ لأن الحكيم « 3 » ] إذا أراد تحصيل مطلوب ، وكان له إليه طريقان ، وكان أحد الطريقين أفضى إلى حصول ذلك المطلوب من الطريق الثاني ، فإنه يجب عليه بمقتضى حكمته ، أن يرجح الطريق الأفضل الأكمل . الوجه الثاني في تقرير هذه الشبهة : إن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به . ونرى البشر ناقصين في هذين الوصفين ، فاحتاجوا إلى شخص يكون كاملا فيهما ، حتى يصير ذلك الكامل مكملا للناقصين ، وذلك المكمل يجب أن يكون مبرأ عن النقصان في هذين الوصفين ، وإلّا لافتقر إلى مكمل آخر ، ولزم التسلسل ، وكل من كان بشرا فإنه لا ينفك عن الشهوة والغضب ، وبسبب حصول هذين الوصفين « 4 » يكون النقصان حاصلا فيهم . أما الملائكة فهم مقدسون عن الشهوة والغضب ، والخيال والوهم ، مستغرقون في المعارف الإلهية ، مواظبون على الطاعات والعبادات . فكانت بعثتهم لأجل تكميل الناقصين أولى .
--> ( 1 ) الملائكة ( ت ) . ( 2 ) الأنفال 63 . ( 3 ) سقط ( ت ) . ( 4 ) هذين الوصفين ( ت ) .